علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

23

الصداقة والصديق

ولا أجد بها بحياتي ، ما أجد بحياتي لي ، وإذا كنت أعشق الحياة لأني بها أحيا ، كذلك أعشق كلّ ما وصل الحياة بالحياة ، وجنى لي ثمرتها ، وجلب إليّ روحها ، وخلط بي طيبها وحلاوتها » . إن هذه المحادثة اللطيفة التي أوردها التّوحيدي في مطلع رسالته تحدد الشروط التي تقوم عليها الصّداقة المثالية ويمكننا إجمال هذه الشروط بما يلي : أ - إن صداقة اثنين تتطلب ممازجة نفسية ، وصداقة عقلية ، ومساعدة طبيعية ، ومواتاة خلقية ، حتى إذا ما اتحدت هذه العناصر الأربعة أجدت الثقة المتبادلة التي تخلق بدورها طمأنينة وسكونا ثابتين لا يضعفان ولا يحولان مدى الدهر . ب - إن الصّداقة الحقيقية تقتضي المماثلة في الإرادات والاختيارات والشهوات والطلبات ، وهذه المماثلة ثمرة ارتباط روحي ، خفي ، غير محدّد ، بزمان أو مكان ، وهذا ما يشبه اتحاد الذاتين عند الصّوفيّين ، وقد أشار التّوحيدي في كتاب المقابسات إلى ذلك عند تعريف أرسطو للصديق بقوله : « الصّديق هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك » ، وقد فسّر أبو سليمان السجستاني أستاذ التّوحيدي هذه العبارة فعدّها آخر درجات الموافقة الّتي يتصادق المتصادقان بها ، ثم قال : « ألا ترى أن لهذه الموافقة أولا منه يبتدئانها ، وكذلك لها آخر ينتهيان إليه ، وأول هذه الموافقة توحّد وآخرها وحدة ، وكما أنّ الإنسان واحد بما هو به إنسان ، كذلك يصير بصديقه واحدا بما هو صديق ، لأن العادتين تصيران عادة واحدة ، والإرادتين تحولان إرادة واحدة ولا عجب من هذا فقد أشار إلى هذه الغريبة الشاعر : روحه روحي ، وروحي روحه * إن يشأ شئت ، وإن شئت يشأ